ثقافةوسياحة

جامع العتيق تحفة نادرة…

جمال النور، جمال الحياة، جمال الطبيعة، بعد الظلام نورعلى نور، وبضدها تعرف الأشياء، لما المتعة تخرج من عمق الألم و النور يخرج من عمق الظلام، والخير يخرج من عمق الشر، والعدل يخرج من عمق الظلم، والرحمة تأتي من عمق الضعف، السياحة هي سفر بغرض الترفيه، الدين،الاسرة والأعمال التجارية، وعادة ما تكون لفترة محدودة، وقد يطن أن تكون محلية أو دولية، فالسياحة تعد أحد المصادر الرئيسية للدخل في العديد من البلدان، فهي محرك النمو الاقتصادي، الى جانب هذا الناس لديهم فرص لتبادل الثقافات فيمكن للسياحة أن تحدث إحساسا حقيقيا بالفخر والهوية للمجتمعات، حيث انها تتيح لهم القاء نظرة على تاريخهم وهويتهم، هذا من الجانب المعرفي، أما من الجانب الاقتصادي فقد أصدرت منظمة السياحة العالمية للأمم المتحدة تقريرا سنويا عن السفر و السياحة العالمية، حيث يوضح اكثر البلدان استقطابا للياح في جميع أنحاء العالم، أشار هذا التقرير لارتفاع عدد السياح الوافدين الى ما يزيد عن 1.3 مليار سائح في عام 2017 أي بزيادة مقدارها 6.8 مقارنة بعام 2016، فحجم الاقتصاد العالمي للسياحة هو 7.5 ترليون دولار، وهذا يمثل 10 من الاقتصاد العالمي الكلي لكل المجالات، وتعد كل من افريقيا وأوروبا اكبر منطقتين من ناحية ازدياد عدد السياح، وتعتبر السياحة اهم القطاعات للدول ومن هذا الحديث يمكننا تلخيص السياحة على أنها صناعة للخدمات، فلا يمكن لبلد أن يستقطب سياحا الا بتوفر عدة أركان يلزم وجودها وهي: النقل، الايواء، والبرامج، فهذه الأركان هي الأساس في استقطاب السياح، كما ان للسياحة أنواع عديدة، منها الرياضية، الثقافية، العلاجية، المؤتمرات والدينية، واليوم سنتحدث عن السياحة الدينية في الجزائر، التي تعد أبرز الوجهات المطلوبة لدى السائحين الراغبين في التعرف على المعالم الاثرية الدينية، كالمساجد، الكنائس، الاضرحة، ولزوايا، والمآثر التي تخلد أشخاص أو وقائع تاريخية مأثورة، ومن اهم المقاصد السياحية الدينية التي تدخل ضمن هذا الاطار في عالمنا العربي: الأماكن المقدسة، والمدن الإسلامية، والمساجد العريقة، فالجزائر تتربع على الكثير من المقاصد السياحية الدينية كأضرحة الأولياء والعلماء، وقادة الفتح الإسلامي ، والزوايا والمساجد الأثرية، فلقد مرت الجزائر بعدة مراحل تاريخية، شهدت القوة كما شهدت الضعف، بداية مع الدولة الفاطمية الى الدولة العثمانية مرورا بالاستعمار الفرنسي الى يومنا هذا، فكل مرحل تاريخية تميزت بطابع مختلف من حيث العمارة، الزخرفة، طريقة العيش ، نظام الحكم… الخ، ولقد كان لها دور كبير في تشييد هذه المساجد والزوايا وباقي الاثار الإسلامية، بنوع مختلف من الابداع وكما قلنا سابقا الجزار موطل للزوايا والمساجد والكنائس، وهذا ما يشجع على استقطاب السياح، لأن السائح يبحث دائما على معرفة معتقدات وتقليد البلد الذي يزوره، ومن هاته الاثار الإسلامية، اخترنا جامع العتيق أقدم جامع بولاية سطيف، جوهرة المساجد العتيقة وقد قمنا بإجراء حوار مع الدكتور عمراوي بودوخة امام المسجد العتيق بمدينة سطيف حيث ذكر لنا بعض المعلومات والتي نسردها: شيد جامع العتيق بسطيف قرب عي فوارة، عام 1262هجري /1845ميلادي، واستغرقت فيه الأشغال عامين، وهذا ما تدل عليه الزخرفة الكتابية الداخلية منها: كتابة “وما توفيقي الا بالله”، كتبها محمد ابن الاغا في 1264هجري، فقد كان السماح لبناء هذا المسجد بالنسبة لفرنسا رد فعل سلبي حيال الوجود العسكري بمدينة سطيف، لأنها لا تمس بمعتقد الدين الإسلامي، ولقد كان هذا الجامع يساهم كثيرا في التوعية من جانب الأحوال الشخصية مثل الدين، وكان ذلك يتم بتوعية السكان ونشر أهمية التمسك بالدين، ولعب دور كبي في نشاط الحركة الوطنية، بني الجامع بتقوى من الله لأنه تعرض لظروف صعبة هي ظروف الاحتلال، فكانت سياسة الاستعمار الأولى هي تعمير المدينة و توطين المستوطنين الفرنسيين، لا سيما المتقاعدين من الجيش الفرنسي، وقد تم تعمير مدينة سطيف منذ 1845 الى 1870، كما تم بناء كنيسة للفرنسيين ومعبد لليهود اذا تبقى مسجد لم يبنى، لهذا أراد الجزائريون اظهار هويتهم و الدفاع عنها فنظموا انفسهم وطالبو ببناء مسجد للمسلمين، وقد استجابت السلطات الفرنسية لذلك، كان مقرر بناء المسجد أكبر من الكنيسة و المعبد وأضخم مسجد في الجزائر، الا أن السلطات الفرنسية رفضت ذلك وقامت بالتضييق، هندسة بنائه جمعت بين الحضارة العثمانية البديعة وزخرفتها الفريدة من نوعها، وبين الحضارتين الاغريقية والرومانية وهذا ما أعطى المسجد خصوصية فريدة و هندسة معمارية متميزة، لم تكن معروفة من قبل في هندسة المساجد، تم بنائه من قبل لجنة من المهندسين على رأسهم المهندس التركي على الاغا، يتميز جامع العتيق بوسائل بنائه المميزة ومنارته على خلاف المنارات المعهودة في شما افريقيا، استعمال الحجارة كمادة أساسية وهذا لوفرتها في المنطقة، فمثلا سقف المسجد تم بنائه من القرميد(قرميد مرسيليا) ، استعملت لأول مرة تقنية السقف المستعار الذي صنع من الخشب بطريقة بسيطة جدا، يتميز الجامع ببساطة هندسته من حيث التناسق والاحجام و النسب، فكلما كان الشكل بسيطا كان المعلم أكثر جاذبية، شيد الجامع على قطعة أرضية هي هبة تبرعت بها امرأة كرغلية من الاتراك الجزائريين، كما تكفل مواطنون جزائريون ببنائه عن طريق التبرعات، وقامت بالإنجاز شركة إيطالية مستعينين بمهندسين أتراك، ورغم مرور قرنين من بناء الجامع بقيت معالمه الأصلية سالمة امنة دلالة على متانة البنيان ودقة الهندسة وجما فن العمارة الإسلامية ذات البصمة العثمانية وخاصة المئذنة رباعية الأضلاع، ما يميز جامع العتيق منارته المتفردة و الفريدة من نوعها، نمط عمارة منارة جامع العتيق هي مزيج بين نمط معماري روماني بيزنطي اغريقي ونمط معماري تركي، الجزء السفلي للمنارة هو جزء رئيسي مصنوع بنسبة كبيرة من الحجارة الخالصة، أما الجزء العلوي مستخلص من العمارة التركية على شكل قلمي مصنوع من الأجور الأحمر، الانارة الداخلية للمسجد مستوحاة الى حد بعيد من الانارة الموجودة في الكنائس أما الانارة الخارجية استعملت تقنية اظهار المعلم فيمكن مشاهدة جمالية المسجد في الليل أحسن من في النهار، وهذا لاستعمال هذه التقنية التي قامت بإنشائها الدولة الجزائرية بشراكة مع شركة فرنسية( ولاية سطيف وولاية ليون)، يستوعب الجامع حاليا ما يقارب 2500 مصلي وهذا بعد التوسعة التي شهدها في فترة الاحتلال، والترميمات التي مسته بعد الاستقلال بعدما كانت بنايته الأولى لا تتسع ألا ل 300 مصلي.

المسجد العتيق في شكله يعطي مظهرا للسيادة الفرنسية ولكن في بعده المعماري يعطي السادة للخلافة العثمانية، الجامع منذ نشأته حاولت فرنسا استغلال بعض أجزائه لأغراض أخرى، الا أنه بقي منارة علمية لمدينة سطيف، بفضل كوكبة من الشيوخ والائمة و القضاة الشرعيين الذين تداولوا على امامة الناس، تولى الامامة فيه قضاة المحكمة الشرعية في مدينة سطيف، والعلماء القضاة كان اغلبهم من تلمسان، ندرومة، مازونة، ونقاوس، ولقد ذكرهم الشيخ الحفناوي في كتابه “تعريف الخلف برجال السلف”، فقد كانوا قضاة للمحمة الشرعية وفي نفس الوقت كانوا أئمة يتولون الخطابة والتدريس والتكوين والامامة، في بداية القرن العشرين كان الشيخ سعود السعودي وهو من الائمة والقضاة الشرعيين ثم بعده الشيخ محمد الطاهر خبابة الذي كان مفتي المدينة باعتماد أداري رسمي ثم الشيخ العيفة العياضي، ثم الشيخ محمد قادري هو المتحدث منذ 1992 الى يومنا هذا، كان لمسجد العتيق دور كبير في الفتوى وجلسات الصلح في التعليم الشرعي والقران الكريم و تكوين الطلبة، كما كان لشيوخه تأثير كبير في الحركة الوطنية من خلال الائمة الذين كانوا فيه ونذكر منهم الشيخ المفتي محمد الطاهر خبابة قدم شهيدين من أولاده، وكذلك الشيخ العيفة العياضي قدم أيضا اثنين من أولاده، ولقد كانت الظروف الإدارية الفرنسية تضغط كثيرا على الائمة لأنهم يشكلون خطرا على سياستها، وقد كان هناك تواصل خفي بين الائمة و الشيخ بشير الابراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين، كتبت نصوص كثيرة داخل المسجد العتيق تدل على الهوية الوطنية منها شعرات المساجد العثمانية وهذه الشعارات هي: الله، الرسول، والخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكر، عمر ، عثمان وعلي، وتمت كتابة اسم المهندس الذي أشرف على بنائه، الجامع حاليا يصنف ضمن المعالم الأثرية بوثائق رسمية من طرف وزارة الثقافة ولا يزال يؤدي وظيفته المسجدية الكاملة.

على الجزائر لامع ماضي، سيف مرصع جوهر ماضي، واللي في درب العزة ماضي، لاقي اللين مع الاحسان، جود يرحب باللي حاضر، عند البادي وعند الحاضر، عن عادات الخير تبان، تعد الجزائر مسرحا لحضارات عدة مختلفة من حيث الابداع، فهي تتمتع بطابع سياحي متميز واثار مختلفة في كل انحائها، لأنها عرفت تاريخ طويل وشهدت محطات عدة، وهدفنا من كتابة هذا المقال هو احياء الاثار الإسلامية العتيقة و الدعوة الى زيارتها لأنها مرآة ديننا و دليل صريح عن عراقة بلادنا، لأنه بواسطة هذه المساجد تمكن العديد من الناس تحقيق حلمهم بان يكونوا أئمة وعلماء دين، فيجب ان نهتم بهذا المعلم المبارك ، ومن هذا المبدأ نرجو الحفاظ على هذه المعالم وترميمها، وندعو الى زيارة هذه المساجد لنساهم جميعا في زيادة نسبة السياح، وان نعطي صورة مشرفة عن بلادنا، وان أردنا أن نطور الثقافة والسياحة علينا بالاهتمام بها .

شواطي زين الدين /منصر وفاء

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات